اسماعيل بن محمد القونوي
193
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مثل هذا الشأن بخلاف التكذيب فإنه غير معلوم وغايته خوفه هذا في قراءة الجمهور وسيجيء قراءة يعقوب . قوله : ( رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة خوف التكذيب وضيق القلب انفعالا عنه ) الترتيب معنى الفاء إذ الدعاء بإرسال جبريل إلى هارون عليهما السّلام مسبب عن هذه الأمور الثلاثة المترتبة « 1 » فإن التكذيب سبب لضيق القلب وهو سبب لعدم انطلاق اللسان وفي كلام المص إشارة إليه قوله وضيق القلب انفعالا عنه أي المراد بالصدر القلب لأنه محله والباعث لذلك المبالغة حتى يتجاوز الضيق إلى الصدر وعن هذا قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [ طه : 25 ] للمبالغة في الشرح قوله ضم أخيه إليه لم يذكر في هذه الآية صريحا كون هارون أخاه والضم إليه لكن لكونه مذكورا في سورة طه اعتبره هنا إذ القرآن يفسر بعضه بعضا ويمكن أن يقال إنه منفهم من الفحوى وإشراكه له أي على وجه كونه وزيرا في الأمر أي في أمر النبوة قوله مست الحاجة إلى معين الخ إشارة إلى ما ذكرناه قوله انفعالا عنه أي عن التكذيب إشارة إلى أن الضيق مسبب عن التكذيب كما ذكرناه . قوله : ( وازدياد الحبسة في اللسان ) هذا ميل إلى القول بعدم زوال العقدة بالكلية حيث قال وازدياد الحبسة ولم يقل والحبسة هذا إذا كان بعد دعائه عليه السّلام رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [ طه : 20 ] الآية وأما إذا كان قبله فالأمر واضح . قوله : رتب استدعاء ضم أخيه إليه أي رتب موسى عليه السّلام طلب ضم أخيه إليه بالفاء حيث قال فأرسل إلى هارون فإن معنى إرسال هارون إليه ضمه إليه وجعله مقرونا معه للمعونة وإشراكه له في أمر الدعوة ويدل على أنه المراد به حكاية قوله في موضع آخر حيث قال وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [ طه : 29 - 32 ] قوله على الأمور الثلاثة متعلق برتب وقوله خوف التكذيب وضيق الصدر وازدياد الحبسة في اللسان بيان للأمور الثلاثة التي رتب الاستدعاء عليها وهذا على تقدير رفع يضيق ولا ينطلق عطفا على أخاف وأما على تقدير نصبهما عطفا على ما في حيز أن يكون المرتب عليه شيئا واحدا وهو خوف الأمور الثلاثة التي هي التكذيب وضيق الصدر وانحباس اللسان المدلول عليه بقوله وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي وإنما قال وازدياد الحبسة والمفهوم من لا يَنْطَلِقُ لِسانِي نفس الحبسة لا ازديادها لأن في لسان موسى عليه السّلام حبسة ما فخاف عند ملاقاة فرعون أن تزداد تلك الحبسة قوله لأنها إذا اجتمعت إلى آخره علة رتب أي لأن هذه الأمور الثلاثة إذا اجتمعت احتيج إلى معين قوله ولا ينبتر الانبتار انفعال من البتر وهو القطع أي لا ينقطع حجته باعتراء الحبسة على لسانه المخل لاداء الرسالة وأمر الدعوة قوله وليس ذلك تعللا منه أي ليس قوله : رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي [ الشعراء : 12 ] تعللا منه بل قال ذلك طلبا من اللّه تعالى معونة على امتثال الأمر قوله وتمهيد عذر فيه أي في امتثال الأمر .
--> ( 1 ) إذ لا بد في الترتيب الذكري من فائدة والفائدة هنا الترتيب في الواقع كأنها مذكورة بالفاء .